Healthcare Advisory · By Appointment
Back to publications
Research paper

تعارض المصالح والمفاسد وأثره في البحث الطبي السريري

ARETION Consulting · 31 May 2026

تعارض المصالح والمفاسد وأثره في البحث الطبي السريري

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

مبنى الشريعة على المصالح، والمفاسد، وقد شرعها الله على هذا لتستقيم حياة الناس وينتظم أمرهم، دنيا وأخرى؛ فمن أهملها فقد عطل الشريعة من الحكمة والمناسبة التي جعلها الله في أحكامه آية على إرادة اليسر، ورفع الحرج عن العباد، وأن الله أراد بهم الخير وقصد لهم الهداية، فقد جمعت الشريعة في الحقوق بين خصلتي العدل والإحسان، كما جمعت في الوعظ بين البشارة والنذارة، وفي الشرائع بين الرأفة، والرحمة بالعباد، وقد استقر في الشريعة مراعاة المصالح والمفاسد، وذلك من جهتين: من جهة كونها مصالح دنيوية، أو أخروية ومن كونها مفاسد دنيوية أو أخروية، ويعبر بعض الأصوليين عن المصالح الدنيوية بالتبعية، وعن الأخروية بالأصلية، فشرع الشرائع من أجل حفظ هذه المصالح من جهة الوجود، ودرء عنها المفاسد بالحدود، والقصاص والجهاد، وغيرها، وقد أحسن ابن عاصم في توصيف مراعاة الشريعة للمصالح والمفاسد بقوله:

وَشَرْعُهُ بِقَصْدِ أَن يُقِيمَا

مَصَالِحَ الْخَلْقِ، لِتَسْتَقِيمَا

= أَمْرًا وَنَهْيًا، بِاعْتِبَارِ الْآجِلِ

وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْعَاجِلِ

مِنْ حَيْثُ سَعْيُهُمْ لِأُخْرَىٰ تَاتِي

لَا جِهَةِ الْأَهْوَاءِ وَالْعَادَاتِ

وَكَمْ دَلِيلٍ لِلْعُقُولِ وَاضِحِ

عَلَى الْتِفَاتِ الشَّرْعِ لِلْمَصَالِحِ

وَمَا أَتَىٰ فِي مُحْكَمِ التَّنزِيلِ

فِي مَعْرِضِ الْمِنَّةِ وَالتَّعْلِيلِ

كَقَوْلِهِ جَلَّ: «يُرِيدُ اللَّهُ»

غَالِبُهُ ذَٰلِكَ مُقْتَضَاهُ

* وَفِي الْمَفَاسِدِ مَعَ الْمَصَالِحِ

دَفْعًا وَجَلْبًا: مَيْلُهُ لِلرَّاجِحِ

وَمِن كِلَا الضَّرْبَيْنِ مَا لَا يُـعْتَبَرْ

لِكَوْنِهِ فِي عَكْسِهِ قَدِ انضَمَرْ

وَمَا لَهُ تَعَــــــلُّقٌ بِالْأُخْرَىٰ

فَهْوَ بِتَقْدِيـــمٍ لَدَيْهِ أَحْرَىٰ[1]

فإذا تبين هذا بقي أن نعرف المصالح من حيث هي مصالح شرعية، والمفاسد من حيث هي مفاسد شرعية، ونبين ذلك في عدة مطالب ثم نبين علاقة ذلك بالبحثي الطبي السريري

المطلب الأول: تعريف المصلحة لغة واصطلاحا:

الصَّلَاحُ ضِدُّ الْفَسَادِ وَبَابُهُ دَخَلَ. وَنَقَلَ الْفَرَّاءُ صَلُحَ أَيْضًا بِالضَّمِّ. وَهَذَا يَصْلُحُ لَكَ أَيْ هُوَ مِنْ بَابَتِكَ والمصلحة واحدة المصالح وهي الصلاح[2]

ولها عدة إطلاقات يتداخل فيها المعنى اللغوي مع المعنى الاصطلاحي، وكأنه استعمال وليس وضعا من هذه الإطلاقات:

أولا: أن المصلحة بمعنى الصلاح وهو كون الشيء على هيئة كاملة بحسب ما يراد له ذلك الشيء كالقلم يكون على هيئة تصح به الكتابة والسيف يكون على هيئة يمكن به الضرب.

ثانيا: أنَّ المصلحةَ وسيلةُ الشَّيءِ، كالعَمَلِ الَّذي يَبذُلُه الإنسانُ لِيَتَوصَّلَ بِه إلَى ما يَطلُبُه، فِيقال في الأمْرِ مَصلحَةٌ؛ أي: خيرٌ، وقالَ فِي مَوضِعٍ آخرَ: والنَّفْعُ: الخَيرُ وهو ما يَتَوصَّلُ بِه الإنسانُ إلَى مَطلوبِه.

ثالثا: تُطلَقُ المصلحةُ علَى ذاتِ الفِعْلِ الجالِبِ لِلنَّفْعِ والدَّافِعِ لِلضَّررِ، وهي بهذا المعنى مجازية من باب إطلاق المسبب على السبب فتقول: التِّجارَةُ مَصلَحةٌ؛ أي: َسببٌ لِلمَنافِعِ المادِّيَّةِ، وطَلبُ العِلْمِ مَصلحةٌ، بمعنَى أنَّه سببٌ لِلمَنافِعِ المَعْنَوِيَّةِ، فالمَصلحةُ ضِدُّ المَفْسدَةِ[3].

وللفقهاء في تعريف المصلحة إطلاقان كلاهما بحسب الباب الذي يتكلمون فيه فابعتبار المصلحة دليلا شرعيا معتبرا يعرفونها بأنها:"جلب المنفعة، ودفع المضرة"[4] وعلى هذا النحو سار كثير من الأصوليين قال الأبياري في شرح البرهان: "والمصلحة في الأصل: ‌عبارة ‌عن ‌جلب ‌منفعة ‌أو ‌دفع مضرة. ولم تبق على هذا الإطلاق عند الأصوليين وعلماء الشريعة، ولكن أريد بالمصلحة عندهم: رعاية مقصود الشرع، ومقصوده حفظ خمسة أمور على الخلق، وهي: دينهم وأنفسهم، ونسلهم، ومالهم، وعقولهم، فما تضمن حفظ هذه الأمور: فهو مصلحة. وما تضمن تفويتها: فهو مفسدة، ونفيه مصلحة"[5].

وفي القياس يطلقون المصلحة على المناسب المرسل ويعرفونه بأنه :" الوصف الَّذي يترتَّبُ على شَرْعِ الحُكْمِ عندَه جَلْبُ مصْلحةٍ مقصُودَةٍ للشَّارعِ أو دفْعُ مضرَّةٍ"[6]

وذكر الرازي في تعريفها مسلكين نذكرهما مع التصرف في كلامه للاقتصار على ما نريد بيانه:

المسلك الأول: أنه: الذي يفضى إلى ما يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاًء، وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة، وعن الإبقاء بدفع المضرة؛ لأن ما قصد إبقاؤه، فإزالته مضرة، وإبقاؤه دفع المضرّة.

ثم هذا التحصيل والإبقاء: قد يكون معلومًا، وقد يكون مظنونًا، وعلى التقديريْن: فإما أن يكون دينيًا، أو دنيويًا.

والمنفعة عبارة: عن اللذة، أو ما يكون طرفًا إليها، والمضرة عبارة: عن الألم، أو ما يكون طريقًا إليه، واللذة قيل في حدّها: إنها إدراك الملائم، والألم: إدراك المنافي.

المسلك الثاني: أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات؛ فإنه يقال: "هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة" أي: الجمع بينهما في سلك واحد متلائم، و"هذه الجبة تناسب هذه العمامة" أي: الجمع بينهما متلائم[7].

وقد نبه الرازي إلى سبب اختلاف التعريفين في المسلكين، وهو أنه راجع إلى تعليل أفعال الله والخلاف في ذلك بين المتكلمين، وهي من معضلات علم الكلام التي لا يخلو منها كتاب من كتب الأصول ومن مشكلاته التي يعرضونها، ولا يجيبون عليها فكلام الرازي نقله القرفي بلفظه في نفائس الأصول ولم يعقب عليه.

ويتحصل من كل ما سبق أنه حيث وجدت المنفعة دنيا وأخرى تحقيقا، أو ظنا، ولم تعارضها مفسدة راجحة فذلك هو المصلحة في نظر الشرع نص عليها الشارع أو أدركها العقل استقلالا مع سكوت الشارع عن عينها وهو ما يسميه الفقهاء والأصوليون بالمصالح المرسلة.

المطلب الثاني: تعريف المفسدة: لا يحتاج الباحث إلى كبير عناء في تعريف المفسدة لغة، أو اصطلاحا ما دام قد مر معه تعريف المصلحة لهذا لم يعتن الفقهاء بتعريفها كثيرا لظهوره عند تصور المصلحة، فالفساد لغة ضد الصلاح، والمفسدة ضد المصلحة "فَسَدَ الشَّيْءُ يَفْسُدُ بِالضَّمِّ فَسَادًا فَهُوَ فَاسِدٌ وَ فَسُدَ بِالضَّمِّ أَيْضًا فَسَادًا فَهُوَ فَسِيدٌ، وَأَفْسَدَهُ فَفَسَدَ، وَلَا تَقُلْ: انْفَسَدَ. وَ الْمَفْسَدَةُ ‌ضِدُّ ‌الْمَصْلَحَةِ"[8]

فهو يطلق على الاستحالة من صلاح إلى فساد، ويطلق على التعفن وكل شيء تحول من حال إلى حال أسوأ منه فهو فاسد[9]

والمفسدة عند الفقهاء والأصوليين نقيض المصلحة، وبعضهم عبر عنها بالمكروه والسيئة والمنكر والشر والضر والقبح[10]

وعند بعضهم أنها:" ‌ألم ‌أَو ‌سَببه أَو غم أَو سَببه"[11]

وقد جود البقوري العبارة في ترتيبه للفروق واختصارها فقال:" فإذا تقرر هذا فأقول: هذا كان أصله، ولكن خصصه العرف الشرعي بشئ دون شئ، فلذات المعاصى وأفراحها وأسبابها لا يصدق عليها اسم المصلحة وإنما يصدق على ما عدا ذلك. ومشاق العبادة ومكارهها وأسبابها كذلك لا يصدق عليها اسم المفسدة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "حُفَّتْ الجنة بالمَكاره، وحُفت النار بالشهوات" ، ولكنه لا يقال لتلك الشهوات: مصلحة، ولا لتلك المكاره: مفسدة وحيث تحقق هذا فأقول:

لا شك أن الشارع اعتبر المصالح بحسب العبيد، والمفاسد بحسبهم، فأمر باكتساب ما للمصلحة من الأسباب، ونهى عن اكتساب ما للمفسدة من الاسباب. فالشريعة انبنت على قوله تعالى: . {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، وهو إنما يرشدنا ويأمرنا بما فيه مصلحتنا، وينهانا عما فيه مضرتنا. فبالسلامة من المنهيات نسلم من النار، وباكتساب الأوامر ندخل الجنة ونصل إلى ما فيها من الخيرات، ونسلم بما تقدم من النار وما فيها من المضرات . قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. وهذا بين من طريق الآخرة، التَّهْلُكَةِ}. وقال: {وكلوا واشرلوا ولا تسرفوا .. } وقال: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}.

وغاية ما في هذه أنه إذا عرضت مصلحة أخروية لمصلحة دنيوية. غلِّب عليها جانب المصلحة الأخروية، وأُمرنا بترك تلك المصلحة الدنيوية، ومن هنا كان التخصيص، حتى لا يقال للشهوات التي حفت النار بها، إنها مصلحة، ولا للمكاره التى حفت الجنة بها: إنها مفسدة.

ثم استقراء الشريعة والنظر فيها يحقق هذه القاعدة حتى يقطع الناظر فيها بما قلناه، وهذا القدر كاف فيما أردناه، والله سبحانه أعلم وأحكم"[12].

وهذا المعنى الذي نبه علي البقوري لم يغب عن صاحب العبارة الأصلية وهو العز ابن عبد السلام حيث عقب على كلامه بقوله:" وَالْأَدب أَن لَا يعبر عَن مشاق الْعِبَادَات ومكارهها بِشَيْء من أَلْفَاظ الْمَفَاسِد وَأَن لَا يعبر عَن لذات الْمعاصِي وأفراحها بِشَيْء من أَلْفَاظ الْمصَالح وَإِن كَانَت الْجنَّة قد حفت بالمكاره وحفت النَّار بالشهوات"[13]

وحيث تكلمنا عن المفسدة؛ فالكلام عن خلوصها، أو رجحانها، أو مساواتها لغيرها لا مجرد وجودها فإن مراعاة ذلك متعذرة لما تقدم من اضمحلال المفاسد في المصالح أحيانا والمفاسد تدرك بالعقل في الأمور الدنيوية ويبنى الحكم فيها على الظن الغالب والتجربة المعتبرة والشرع يبين ما ينبهم على العقل إما بسبب الجهل، أو عدم المعقولية كما هو الشأن في الثواب والعقاب، وحيث علم الجهة في الحكم على المفاسد وهي كونها شرعية وعقلية معا وقد ينفرد الشرع بالحكم في بعض المسائل لخروجها عن سنة العادة وسلوكها مسلك التعبد، أو كونها من مسائل السمع خاصة، بقي أن نعرف ضوابط المصالح والمفاسد، وذلك في المطلب الثالث:

المطلب الثالث: ضوابط المصالح والمفاسد: سنة الشريعة في التكليف جارية على رعي المصالح والمفاسد بشقيها الأخروي، والدنيوي، وحيث وجدت المصلحة الراجحة، فثمت حكم الله إلا أنها لم يعهد من الشريعة تقديم المصالح الدنيوية على الأخروية؛ وإنما الذي عهد منها مراعاة حال المكلف بالتخفيف عنه، أو الإسقاط، وهاهنا تتصور مسائل حيث وجدت المصلحة الخالصة فهي المتبعة وحيث وجدت المفسدة الخالصة تركت، وتجنبت، وحيث تعارضت المصالح فالمقدم ما تبين رجحانه بالشرع، أو بالعقل حيث لا معارض معتبر، وحيث تساوت فإن أمكن العمل بها جميعا عمل أو ترك المفاسد جميعا تركت وإلا عمل الإنسان بما يستطيع ولا يضره فوات غيره، فالعمل في الأخرويات على الأصلح وفي الدنيويات على الأصلح إن تعلق الأمر بحقوق الغير كالولايات العامة وكالطب وغيرها فإن الإنسان مطالب فيها بفعل الأصلح ودرء الأفسد عن الباد بخلاف الأمور الشخصية الدنيوية فإن الإنسان يعمل فيها بالكفاف من حيث المطلوبية ولا يضره طلب الأصلح ولا درء الأفسد، قال العز بن عبد السلام:" إِذا اجْتمعت مصَالح أخروية فَإِن أمكن تَحْصِيلهَا حصلناها وَإِن تعذر تَحْصِيلهَا قإن تَسَاوَت تخيرنا بَينهَا وَقد يقرع فِيمَا نقدم مِنْهَا وَإِن تفاوتت قدمنَا الْأَصْلَح فالأصلح وَلَا نبالي بِفَوَات الصَّالح وَلَا يخرج بتقويته عَن كَونه صَالحا، وَإِن اجْتمعت مصَالح الْمُبَاح اقتصرنا فِي حق أَنْفُسنَا على الكفاف وَلَا ننافس فِي تَحْصِيل الْأَصْلَح

وَتقدم الْأَصْلَح فالأصلح فِي حق كل من لنا عَلَيْهِ ولَايَة عَامَّة أَو خَاصَّة،إِن أمكن فَلَا نفرط فِي حق الْمولى عَلَيْهِ فِي شقّ تَمْرَة وَلَا فِي زنة برة وَلَا مِثْقَال ذرة وَيكون أجر السَّعْي فِي ذَلِك"[14]

وللمصلحة والمفسدة ضوابط:

أولا : لا بد للمصلحة والمفسدة أن تكونا معتبرتين من جهة الشارع، فلا قيمة لما أهمله الشارع من المصالح والمفاسد.

ثانيا: أن تكون المصلحة والمفسدة محققتين أو مظنوننتين فلا قيمة عند التعارض لما كان موهوما أو مشكوكا فيه أو يوجد ما هو أرجح منه.

ثالثا: أن تكون المصلحة والمفسدة كليتين فلا عبرة بما كان شخصيا إذ لم يعهد من الشريعة وضع أحكام للمعينين تقصر عليهم وإنما تشرع الشريعة الرخصة عند اختلاف أحوال المكلفين.

رابعا: عدم تفويت المصلحة والمفسدة لما هو أهم منهما.

خامسا: عدم مخالفة الكتاب والسنة والإجماع كما هو الحال في الربا وغيره من المعاملات التي تترتب عليها مصالح دنيوية.

وهذه الضوابط العامة يمكن إسقاطها على موضوعنا في التجارب السريرية

المطلب الرابع: التجارب السريرية وعلاقتها بالمصالح والمفاسد: مبنى الشريعة على جلب المصالح للعباد، ودفعها عنهم في دينهم وفي دنياهم، وأبدانهم، ولذلك ترى الفقهاء إذا تكلموا في هذا الباب جرت الأمثلة الطبية على ألسنتهم جريان العادة اللفظية، وذلك أنه لا يكاد يوجد ميدان تزدحم فيه عقول أهل الاجتهاد، وتتكسر فيها أقلامهم، وتتسابق عبارتهم إليهم عند كلامهم عن المصالح والمفاسد مثل الطب، فهو حامل لواء التجربة، وعنايته ببدن الإنسان وحفظه تجعل الحاجة ماسة إلى معرفة حكم فعله، سواء كان دواء، أو تصنيعا لدواء، أو لعلاج، والطب تجتمع فيه مفسدة الألم ومفسد المرارة مع ازدحام غلبة الظن مع الشك نظرا لاختلاف الطبائع، وتفاوت الأمراض، ولهذا قال العز بن عبد السلام:" إِذا اجْتمعت الْمَفَاسِد فَإِن أمكن درؤها درأناها وَإِن تعذر درؤها فَإِن تَسَاوَت رتبها تخيرنا وَقد يقرع وَإِن تفاوتت درأنا الأفسد فالأفسد وَلَا يخرج الْفَاسِد بارتكابه عَن كَونه مفْسدَة كَمَا فِي قطع الْيَد المتآكلة وَقلع السن الوجعة"[15].

وأنت تجد الشريعة تراعي المرض في الأحكام فكيف لا تراعيه في العلاج، فهي تبيح للمريض التيمم والصلاة بالهيئة التي تناسبه، وتسقط عنه أداء الصوم والجهاد غير ذلك فكيف لا تراعي ما يكون سببا في شفائه وتخفيف ما به من المرض.

قال ابن القيم رحمه الله:" ‌وأصول ‌الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادَّة المُضِرَّة. وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاث مواضع من كتابه: فحمى المريض من استعمال الماء خشيةَ الضرر، فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]، فأباح التيمُّمَ للمريض حميةً له، كما أباحه للعادم"[16].

والتجارب السريرية سواء كانت علاجية أو مخبرية فإنها إذا تمت وفق الضوابط الشرعية بان استكملت الإجراءات الطبيعية من اختبارها طبيا ثم مرور بالمراحل الطبيعية من التجربة على الحيوانات الشبيهة بالإنسان والتي تشترك معه في بعض الخصائص التي تجعل مفعولية الدواء معها وإعطاءه نتائج موجبة مؤشرا على إمكانية تفاعل الإنسان معه، وتم تجريبه على مرضى يئسوا من العلاج أو متطوعين دون انتهاك لإنسانيتهم فإن هذا ليس مما تمنعه الشريعة، وذلك أن قاعدتها مبنية على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والمصالح في أمر الطب إذا كانت مصالح ضرورية لأنها تهدف إلى حفظ النفس البشرية من مرض يفتك بها وذلك بإيجاد تطعيم ضد مرض يهلك الإنسان، أوداء يرفع المرض؛ فإن هذا مما أوجبت الشريعة تحصيله على المكلفين، وطمرت فيه المفسدة الواقعة على بعض الناس لعموم المنفعة، ولا ينظر هنا إلى حرمة المسألة بعينها إذا كانت المنفعة متعدية ولهذا نظائر منها نقل الدم من إنسان إلى إنسان فمع الحكم على الدم بالنجاسة والحكم بحرمة استعمال الدواء النجس في باطن الأجساد فإن كلمة الفقهاء لا تختلف في استعماله للضرروة من أجل إنقاذ أصحاب الأعمال الجراحية الخطرة، أو حوادث السير، فكيف بالتجارب السريرية إذا خلت من النجاسة، والحرمة، ولم تبق إلا مظنة الضرر في مقابل العلاج وهي مطمورة في جانب الرجحان الذي ترجحه مراحل التجربة السريرية التي يمر بها ويمكن القول إن التجارب السريرية مشروعة بالضوابط التالية:

1_احترام كرامة الإنسان المثبتة شرعا والتي هي حق له أصيل يستحقه بمجرد آدميته{* وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} [سورة الإسراء:70].

فلا يكره على التجربة السريرية سواء كان مريضا أو سجينا مدانا أو صغيرا أو مجنونا فلا بد من الأهلية الكاملة له وحرية الاختيار.

2_تحقيق المصلحة المرجوة من التجربة السريرية

3_العدل وذلك بالالتزام الأخلاقي بمعاملة الشخص وفق ما يتطلبه من الناحية الأخلاقية والمهنية من قصد دفع الضرر عنه وجلب المنفعة له.

4_الإحسان أثناء ممارسة التجربة السريرية على الشخص سواء كان حيا أو ميتا.

وقد دلت نصوص الفقهاء في هذا الباب على مراعاة ما تتحقق به المصلحة وتدفع به المضرة فقد أجاز الفقهاء شق بطن الحامل الميتة، إذا رجيت حياة ما في بطنها وأجازوا تقطيع الجنين إنقاذا لحياة أمه المتيقنة، والقاعدة عندهم أنه إذا تعارضت مفسدتان درئت أقواهما وإذا تعارضت مصلحتان قدمت أقواهما.

والله ولي التوفيق

  1. مرتقى الوصول إلى الضروري من علم الأصول(ص126) ↑

  2. ينظر لسان العرب(2/515) والصحاح للجوهري(1/383) ↑

  3. ينظر تشنيف المسامع(3/9) ↑

  4. المستصفى للغزالي(1/286) ↑

  5. التحقيق والبيان(3/120) ↑

  6. تشنيف المسامع(3/10) ↑

  7. المحصول للرازي(5/157) ↑

  8. مختار الصحاح (239) والصحاح للجوهري(2/519) ↑

  9. المخصص(3/301) ↑

  10. الفوائد في اختصار المقاصد(ص38) ↑

  11. الفوائد في اختصار المقاصد(ص32) ↑

  12. ترتيب الفروق واختصارها(1/41) ↑

  13. الفوائد في اختصار المقاصد(ص38). ↑

  14. الفوائد في اختصار القواعد(ص46) ↑

  15. المرجع السابق(ص46) ↑

  16. زاد المعاد(1/169) ↑

Interested in this topic? Discuss it with one of our specialist advisors.

Discuss this topic with an advisor